عبد العزيز كعكي
52
معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ
ويظهر لنا مما سبق مدى قوة ومنعة هذه الحصون والآطام التي حاصرها المسلمون لحوالي خمس عشرة ليلة ، وإن دلت على شيء فإنما تدل على ضخامة عمارتها ومتانة حوائطها وعظيم ارتفاعها . كما أننا لو اطلعنا على أحداث ما جرى في فتح خيبر ، وطرد اليهود منها ، وكيف كانت آطام وحصون اليهود هناك مصدرا من مصادر القوة والمنعة لهم من حصار المسلمين ، لا تضح بما لا يدع مجالا للشك بأن عمارة الآطام والحصون قد كانت عمارة عظيمة لا تضاهيها عمارة أخرى شيدت في ذلك التاريخ . وسنحاول فيما يلي أن نعطي شيئا مختصرا لتلك الصورة التي كانت في فتح خيبر ، لقد توجه المسلمون بقيادة المصطفى صلى اللّه عليه وسلم إلى خيبر ، وكانوا يكبرون ويهللون رافعين أصواتهم فطلب منهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن يرفقوا بأنفسهم قائلا : « إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم » « 1 » . وهذه الصورة تمثل الروح العالية والعزيمة الكبيرة للجيش الإسلامي ، وما صاحب ذلك من معنويات قتالية عالية وهو يتوجه نحو آطام وحصون خيبر تلك الحصون التي ملئت رجالا وسلاحا ومؤونة ومتاعا . لقد حصّن اليهود أرض خيبر وقسموها إلى ثلاثة مناطق حصينة تتألف كل منطقة من عدة حصون ، أما المناطق الثلاثة فهي : « نطاة » و « الشق » و « الكتيبة » « 2 » . وكان من حصون النطاة : حصن « الصعب بن معاذ » ، وحصن « ناعم » ، وحصن « قلعة الزبير » . ومن حصون الشق : حصن « أبي » وحصن « النزار » . ومن حصون الكتيبة : حصن « القموص » ، و « الوطيح » ، و « سلالم » « 3 » . وكانت حصون خيبر منيعة على رؤوس الجبال وكان رجالها مدربين على القتال والنضال وكانوا أصحاب سلاح كثير واستعملوا آلات الهدم في رد عادية المغيرين عن أطامهم « 4 » . وقد وصل الرسول صلى اللّه عليه وسلم بجيشه الذي لا يزيد عن ألف وخمسمائة مقاتل إلى خيبر وفيها أحد عشر ألفا من المقاتلين اليهود الذين تجمعهم حصونهم
--> ( 1 ) « صحيح البخاري » - « كتاب المغازي » - « باب غزوة خيبر » / ج 7 ص 470 . ( 2 ) « اليهود في القرآن » - عفيف طبارة - ص 83 ، 84 . ( 3 ) « تاريخ العرب قبل الإسلام » - د . جواد علي - ج 6 ، ص 155 . ( 4 ) « تاريخ الخميس » - الشيخ حسين الدياربكري - ج 2 ص 50 .